محمد بن وليد الطرطوشي

352

سراج الملوك

ومن السّير المروية في هذا الباب : انه لما فتحت العراق ، جيء بالمال إلى عمر ، فقال صاحب بيت المال : أدخله بيت المال ؟ فقال : لا ورب الكعبة ، لا يؤوي تحت سقف بيت حتى نقسّمه ، فغطّي في المسجد بالأنطاع « 1 » ، وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار ، فلما أصبح نظر إلى الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والدرّ « 2 » يتلألأ ، فبكى ، فقال له العباس أو عبد الرحمن بن عوف : يا أمير المؤمنين ، والله ما هذا بيوم بكاء ، ولكنه يوم شكر وسرور ، فقال : إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ، ولكنه والله ما كثر هذا في قوم إلا وقع بأسهم بينهم ، ثم أقبل على القبلة ورفع يديه ، وقال : اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني أسمعك تقول : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ « 3 » [ الأعراف : 182 ] ، [ القلم : 44 ] ثم قال : أين سراقة بن جعشم « 4 » ؟ فأتى به أشعر الذراعين دقيقهما ، فأعطاه سواري كسرى ، وقال : ألبسهما ، ففعل ، فقال : قل ( الله أكبر ) قال : ( الله أكبر ) ، قال : قل ( الحمد لله الذي سلبهما كسرى ، وألبسهما سراقة بن جعشم ، أعرابيا من بنى مدلج ) ، ثم قبّلهما وقال : إن الذي أدى هذا لأمين ، فقال له رجل : أنا أخبرك ، أنت أمين الله تعالى ، وهم يؤدون إليك ما أديت لله تعالى ، فإذا رتعت رتعوا . قال : صدقت ، وإنما ألبسهما سراقة ( لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لسراقة - ونظر إلى ذراعيه - كأني بك قد لبست سواري كسرى ) « 5 » ولم يجعل له إلا السوارين . ولما ولى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - جاءه مال من العمّال ، فصبّ في المسجد ، وأمر فنادى من كان له عند رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، دين أو عدة « 6 » ، فليحضر ، قال أبو أيوب الأنصاري : فجئته ، فقلت : يا خليفة رسول الله إنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال لي : لو قد جاءني مال ، أعطيتك هكذا وهكذا - وأشار بكفيه -

--> ( 1 ) الأنطاع : البسط من الجلد . ( 2 ) الياقوت - الزبرجد - الدرّ والذهب والفضة : كلها أنواع من الجواهر . ( 3 ) ومعنى سنستدرجهم : أي سنقربهم وندنيهم من الهلاك وذلك بالإمهال والإنعام . ( 4 ) سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي : من بنى مدلج ، صحابي ، كان في الجاهلية مشهورا بالقيافة أي اقتصاص الأثر ، حيث خرج إثر رسول الله صلى اللّه عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة وأسلم بعد غزوة الطائف سنة 8 ه وتوفى سنة 24 ه . ( الأعلام 3 / 80 ) . ( 5 ) رواه ابن كثير في البداية والنهاية نقلا عن الإمام الشافعي ج 6 / ص 194 . ( 6 ) روى البخاري ومسلم والإمام أحمد حديثا صحيحا عن جابر بن عبد الله بهذا المعنى فقال : أن رسول صلى اللّه عليه وسلم قال له : « لو قد جاء مال البحرين أعطيك هكذا وهكذا . . » إلى نهاية الحديث . ومعنى : عدة أي وعد .